يحي إبراهيم سيدي محمود 

شنقيطي، من الطبيعي جدا أن يجد زميلي في [تاريخ موريتانيا العناصر الأساسية]، لمؤلفه الدكتور حماه الله ولد السالم ، الصادر عن منشورات الزمن المغربية، مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء، ط1،2007

خير هدية يزفها إليّ وقد تركني وحيدا في تلك الدار غير الشنقيطية قبل أن تقع عيناه على هذا الكتاب النفيس في إحدى مكتبات المدينة، فاهتمام الشناقطة بالكتب ترجمته قصة {سيدي عبد الله}،مع الحطاب ، واهتمامي بعناصر تاريخ موريتانيا "الأساسية" كشفته لزميلي أيام الدراسة والغربة التي قضيناها معا بعيدا عن تلك الأرض الحبيبة .

ما كنت بجانبي عزيزي القارئ إذ زفت إلي ّ هذه الهدية النفيسة وما كنت من الشاهدين غبطتي وأنا أتلقفها بفرحة جعلتني كيعقوب وقد ألقي البشير القميص على وجهه، ولكن رطوبة لساني من ذكر الدكتور حماه الله ولد السالم والثناء على جهوده الجبارة في تنوير الغوامض من تاريخ هذا البلد الغالي،حبيس عزلة التاريخ والجغرافيا،ولولا الثقافة لقلت حبيس العزلة المطلقة،وأنا أقرأ له "وتقدم هذه الدراسة سدا لبعض النقص الملحوظ في دراسات التاريخ الموريتاني الموجودة،بينما المتاح في هذا الحقل إما أطروحات جامعية متخصصة،أو أعمال لا تمتلك من التاريخية إلا الاسم وهي في أحسن الأحوال،بالنسبة لبعضها تفتقر للمنهجية الحديثة وجمع ساذج لشتات الروايات والأنساب والأسماء المكتوبة لغايات آنية وبواعث ضيقة..وهي كذلك مفعمة بالأحكام الخاطئة، والبعد عن الأمانة العلمية.ص7

لم تلبث أن جفت تماما حين وصلت ص14، إذ فاجأتني مجموعة من التناقضات والأحكام الخاطئة،حيث جعل الدكتور من(حصار لحنيكات1778م) نهاية ما أسماه العصر الحساني "تاريخ حديث"، وبداية "تاريخ معاصر"حسب رأي الدكتور، فقد فاجأني ذالك كثيرا لما في أساس هذا التحقيب من تناقض (حصار لحنيكات1778م)،إذ كيف يكون هذا الحصار نهاية لعهد المنتصرين فيه، فقد عكفت قبل أشهر-وأنا المولع بعناصر تاريخ موريتانيا الأساسية- على ج1من موسوعة بن حامد (التاريخ السياسي)، الصادر عن دار الغرب الإسلامي-بيروت،ط 1، 2000، وقد زودني بمعلومات مهمة عن هذا الحصار في ص 184حيث قال بالحرف(...فتألب المغافرة على ايدوعيش وحاصروهم عند"لحنيكات" سنت1192ه[1778م]، فأعطت ايدوعيش أربعين فرسا لأولاد عبد الله [البراكنة] فانسحبوا وفكوا الحصار. وظلت الحرب بين ايدوعيش وأولاد امبارك حتى قيل إن أيامها بلغت تسعين أو زادت، ومنها:...) ص184-185.

والغريب أن الصفحة 184أحال إليها الدكتور حماه الله في الإحالة213 ،في الهامش حين تكلم عن  {بكار بن أعمر بن محمد خونا}،ويوم دركل، وانكدي،سنة1739-1746 م، برقم :174، لعل ذالك خطا مطبعيا. (انظر الإحالة في المتن ص200 والهامش ص231، والكلام عن إمارة ايدوعيش من ص200 إلى206)

أجل لقد أصبت بدهشة قطعت عليّ بسرعة السيف ما كنت فيه من الاحتفاء والفرح بهذا الكتاب/الهدية، إذ لاحظت بعد قراءتي له، أنه ليس سوى قراءة عكسية للجزء[1] من موسوعة بن حامد، قراءة لغايات آنية وبواعث ذاتية ضيقة، وتفتقر لأبسط معايير الأمانة العلمية...

وإن أردت عزيزي القارئ الأدلة على ذالك فما عليك إلا أن تقارن بين قائمة مصادر الدكتور حماه الله، والمختار بن حامد في ج 1، ولن تلاحظ من فرق سوى أن بن حامد أحال لكل تلك الكتب وعرف بها بينما خلا كتاب الدكتور من أية إحالة لأحدها ولم يعرف إلا بالقليل منها واختصر أسماءها، بل نسب البعض منها لمجهول مثل:(تذكرة النسيان)،ص237.

في حين أن بن حامد عرف به ونسبه لمؤلفه(تذكرة النسيان في أخبار الملوك والسودان.ل "غبن كان" ق12ه) ص98 و389،ج1.

أو تنظر عزيزي القارئ هوامش الدكتور حماه الله من ص 215 إلى ص223، لترى بنفسك أن الذي توفرت فيه منها الشروط العلمية نزر قليل.

أما " الفهرس" فهو العنصر الأساسي الذي يفتقده "تاريخ موريتانيا العناصر الأساسية" بطريقة مبرمجة طبعا وذكية.

أو انظر عزيزي القارئ كتاب الدكتور من ص29 إلى ص38، وما فيه من تناقض وخلط متقون بين مملكتي[غانا] و [آودغست] على مستوى التاريخ والجغرافيا، وإن كانت معلوماتك عن هاتين المملكتين قليلة لاتمكنك من معرفة الخلط الذي قام به الدكتور فما عليك إلا مراجعة بن حامد ج1من ص23 إلى ص 40،أو أي مصدر آخر تكلم عن المملكتين.

ثم انظر عزيزي القارئ ما وقع فيه الدكتور في الصفحات (من 19 إلى 41) من تناقض، وهو يحاول عبثا رد م صنهاجة بين (اليهود، البافور، الإثيوبيين، الأمازيغ ، البربر اللوبيين، الطوارق...) مصرحا بالبعض وملوحا بالآخر أحيانا (كاليهود) جاعلا من الطوارق أبناء عمومة لصنهاجة بغير دليل سوى ( اللثام) الذي جعله علة لقياسه قبل أن يسلك به مسالك العلة.ومطلقا على [صنهاجة] مصطلح "أنبيتا" الذي ليس سوى اسم ذلك الموضع"انبيّة" الذي لا تدل أوصافه على صحراء {الملثمين}، وإنما حرف الدكتور نص الرواية التي ذكرته ليجعل من "أنبيتا" مرادفا ل "الأنباط"  المصطلح الذي لم يظهر في [صنهاجة] إلا في أحفاد {بوبكر بن عمر}، ويعني: (بيوت الملك)، وليس العشائر.

كل ذلك وقع فيه الدكتور من أجل أن يردم [صنهاجة] بين العناصر التي ذكر، متناسيا أن ردم صنهاجة لو كان يمكن في التاريخ لفعله ابن خلدون وقد انبرى له، أو يمكن أيضا في الجغرافيا لفعلته الصحراء وهم ملوكها.

وقبل أن يناقض نفسه في ص40-41، حين تكلم عن [صنهاجة] بما هو معروف وثابت في مختلف المصادر التي ذكر.

حين تقف على ذلك عزيزي القارئ ستطرح معي هذا السؤال:إذا كان الدكتور سيعود ويقول عن [صنهاجة] ما في ص40-41، فما فائدة ما ذكر من ص19 إلى 39 ؟؟؟ .

ثم إذا كان الدكتور إنما كان يسعى إلى فصل [صنهاجة] عن [لمتونه] أولا يرى أن ما في صفحتي 40/41 ناقض ما كان يرمي إليه وأوضح تهافته وبطلانه؟؟

وسيمكن أن تجيبه معي عن سؤاله الجوهر ي:(لما ذا تخلت صنهاجة عن أنسابها؟،ص112.

بأن صنهاجة لم تتخل عن أنسابها اللمتونية الحميرية-كما ذر هو(نفسه) في ص40/41-وأن من في أنسابهم عشر ملوك ليسوا بحاجة إلى أنساب غيرهم،ولينظر سلسلة أنسابهم في ص 80،[هامش 1] ج1، بن حامد.

أجل عزيزي القارئ إنه لمن المثير للدهشة والسخرية معا أن تصوغ أمة بأكملها منظومة أنساب من أجل أوقاف  الحرمين الشريفين،بل وتجند لذلك خيرة علمائها الذين ألفوا الكتب المشكلة للموسوعة العلمية والثقافية لهذه الأمة، مما يعني أن الأنساب والثقافة الموريتانية صنيعة الأوقاف السعودية، كما ذكر الدكتور، من ص118 إلي ص121

ومن الغريب جدا أن الدكتور ذكر في ص 117 و118 مجموعة من العوامل-تبدو أكثر منطقية- ساهمت في خلق المجال اللغوي والحضاري لهذه الأمة،حين كان يتكلم عن الحروب الأهلية والمجاعات، فقال:(ونعتقد أن إحساس علماء (ولاتا) بتلك الأزمات هو الذي دفعهم إلى تأليف مصنفات كبرى تجمع تاريخ المدينة وتراجم علمائها، ونوازلهم وفهارس كتبهم...).

ومن هنا نسأله: أولا يمكن أن تكون نفس الأسباب هي التي دعت العلماء الذين ذكرت إلى تأليف كتبهم التي قلت، خاصة أنهم عاشوا في عهد أكثر أزمات وحروب من عهد سابقيهم ، أبيدت فيه قبائل عن بكرة أبيها وسقطت دول وقامت أخرى؟. لو قال الدكتور ذلك عن قبيلة أو عنصر بشري بعينه  للتمسنا له وهجا، أما وقد قاله عن أمة بأكملها فلا نملك إلا أن نقول:هل سمعتم بأمة كلها أدعياء؟؟؟!!!.

وغير بعيد من ذكر الموسوعات والكتب نسأله أيضا: هلا ذكرت-للفائدة- إحدى الموسوعات التي اختصت بها مدينة [ولاته] وإقليم الحوض عن سائر مدن موريتانيا وأقاليمها الأخرى؟، وقد ركزت على قول ذلك في محاولة تفضيلية،عنصرية،جهوية،مكشوفة!!!.(ص117)

ثم نسأله في إطار الأنساب، أيضا: ما هي القبائل الموريتانية التي تدرجت في أنسابها من الأنصارية إلى القرشية العامة إلى الشريفية،ويعرف عنها ذلك، في تقاليد البيضان المروية والمكتوبة، كما ذكرت في ص121؟

إ ذ لا يعرف ما قال عن أي قبيلة موريتانية.

ولا تنتسب في موريتانيا إلى الأنصارية سوى قبائل قليلة أكثرها شهرة بالنسب الأنصاري قبيلة (البوصاديين) ولا نعلم أحدا منهم تنكر له أو ادعى القرشية  سواء العامة  أو الشريفية.

وما دمنا في متاهات التناقضات التي وقع فيها وهو يتكلم عن الأنساب فلا بأس أن  نذكره أن{بني حسان} لا يدعون أن {معقل} في أنساب الطالبيين خصوصا أو قريش عموما، هم إنما يدعون أنه في أنساب الجعفريين، إذ ينتسبون إلى:{معقل ابن موسى الهداج ابن جعفر الأميري ابن إبراهيم الأعرابي ابن محمد الجواد ابن علي الزينبي"نسبة إلى زينب بنت علي بن أبي طالب" ابن عبد الله بن ابي طالب].

وبالتالي فاستدلاله على أنهم (ليسوا إطلاقا من المحتد القرشي[ب] أنه لا وجود لمعقل في أنساب قريش عموما والطالبيين خصوصا) ص80، لا وجه له لأنهم إنما ادعوا كونه من ذرية {جعفر}،وخلو آباء جعفر من الطالبيين خصوصا  والقرشيين عموما من {معقل}ليس دليلا على عدم وجوده في ذريته.

وننبهه أيضا إلى أن كتابه منشور في المغرب، وفي المغرب بطن آخر من بطون المعقل هو:{الثعالبة}، وأنسابهم محفوظة في دواوين روابط الشرفاء بالمغرب،بنسبهم المعقلي،حيث نالوا الشرف بنسبهم الجعفري، وأمهم:"زينب بنت علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه.

أما قوله أن {بني حسان} من عرب المعقل المنحدرين من كعب بن الحارث من قبائل مذحج اليمانية.ص80، ففيه أقوال من عدة وجوه:

1-أن الدكتور لم يحسن نقل كلام بن خلدون الذي سبقه لنفي جعفرية {بني حسان} في ج6:ص59، زاعما أنهم من أهل اليمن، وأنهم من ذرية معقّل بن سليم بن الحارث بن كعب القضاعي.

مستدلا بأن الجعافرة أهل نجعة وبادية والمعاقلة أهل مدينة، وعلى الرغم من ضعف هذا الدليل لأن المعاقلة الجعفريين أهل بادية ونجعة يوم كانوا في الطائف/الحجاز،ويوم كانوا في صعيد مصر،ويوم اجتاحوا المغرب الإسلامي كله، ويوم وصلوا إلى موريتانيا: {بني حسان}، فإن بن خلدون قد ناقض نفسه أيضا في ص 5  من نفس الجزء: [6] عند كلامه على [جهينة] إحدى بطون قضاعة في صعيد مصر، بقوله:(ونزل معهم بنو جعفر بن أبي طالب حين غلب بنو الحسن على المدينة وأخرجوهم،فهم يعرفون بالشرفاء الجعافرة).

فهؤلاء الجعافرة هم المعاقلة الذين منهم بني حسان.

2-لأن ما وقع فيه الدكتور من الخلط في أنساب (بني معقّل) المنحدرين من الحارث بن كعب القضاعي، يخفف من قيمة إطلاقه الحكم على {بني حسان} عند من له علم بأنساب العرب.

فمن تكلم عنهم بني معقّل، وليس {معقل} انظر القاموس، وينحدرون من الحارث وليس من [كعب] فتقديم الدكتور مخل، ومن[ قضاعة]، وليسوا من مذحج.

3- أن كلام بن خلدون عن الجعافرة الذين هم في جهينة/ القضاعية، دليل على بطلان دعوى بن خلدون عدم نسبة المعاقلة إلى قريش، ودليل أيضا على الدكتور...

ولتجنب الإطالة عليك عزيزي القارئ أدعوك إلى قراءة هذا الكتاب القيم"تاريخ موريتانيا العناصر الأساسية" فإن ما فيه من تناقض بين الصفحة وأختها، وافتقار إلى المعايير العلمية...سيجعلك تتساءل معي أين هو من دراسات التاريخ الموريتاني التي وصفها الدكتور في مقدمته، ص7 ؟؟؟.

ورغم كل هذا فأ شهدك عزيزي القارئ أني مدين لهذا الكتاب لكثرة ما استفدت منه، لأنه أول كتاب جعلني أتذكر حكايات جدتي وهي تحاول عبثا مراوغة النوم- من خلالها- حتى لا يغلبني قبل "العتمة"، إذ سرعان ما وجدتني وأنا أتصفحه وخاصة في كلامه عن المدن، وأزواد، والإمارات الحسا نية، والطرق الصوفية، وأزمة المجتمع الأهلي ...، وأنا أتذكر بعض تلك الحكايات لاسيما المتعلق منها بأيام: أنيس بن عيسى(سلطان الصحاري)، امحمد بن رحال وحفيده امهمّد البربوشيين، ارشيد بن هنّي، أحمد محمود بن امحيميد ادليميين، كدّول بن موسى وامهلهل الرز كاويين، امحمد بن عبد الله وابنه نغماش البركنيين،أحمد بن دامان وابنه هدّي واعل شنظورة التروزيين،هنون لعبيدي وابنه بوسيف وهنون بن بهدل وأعمر بن اعل وابنه أحمد آمّاش {ول أعمر ول اعل}الإمباركيين،وسيد أحمد بن عثمان وابنه أحمد {أحمد ول عيدّه} ... وغيرهم من أمراء بني حسان.

ومحمد من خونا وامحمد شين وابنه (محمد) واسويد أحمد وابنه بكار... وغيرهم من أمراء ايدوعيش.

والشيخ محمد الأقظف الداودي ومحمد قلّ والشيخ محمد المامي والشيخ سيد المختار الكنتي والشيخ سيديا الأبييري والطالب مصطف القلاوي ومحمد بوكس العلوي ولمرابط سيد محمود ولمرابط اباه ولد محمد الأمين اللمتوني  ومحنض باب بن اعبيد الديماني... وغيرهم من رجالات العلم والصلاح في الزوايا.وكولي تنكلّه وحفيده كلاّ جو تبارا  الفلاّنيين...والإمام عبد القادر الفوتي...

وروائع محمد بن محمدي العلوي،ولمجيدري بن حبيب الله وامحمد ابن الطلبه اليعقوبيين، وابن أحمد دام والأحول وابن حنبل البوحسنيين ، والمختار بن بون الجكني، وبوفمين وحماد المجلسيين، غالي بن المختار فال البوصادي، الشعرية...وغيرهم من شعراء موريتانيا.

فا ندهشت أمام قوة ذاكرة جدّتي، وجودة سردها ومعرفتها الواسعة بمختلف جهات الوطن وخصائص كل واحدة منها وتعاملها مع تلك الخصوصيات بما يعكسها كتنوع وليس اختلاف، وحسن تقديمها لتك الحكايات واختتامها لها.

وقد ذكّرني الكتاب وأنا أقرأ آخر صفحة منه بمثلنا الحساني المرادف ل[خفي حنين]: "ابكيت انكرر والذاريات"، ولم أنتبه لنفسي إلا وأنا أقلبه، أي( الكتاب) وأكرر(تاريخ موريتانيا العناصر الأساسية) ثلاث مرات .